مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
58
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
سمعها ، وتلك تجد شمس النّبوّة في شفا الانكساف ، وأخرى تشاهد الخلق المحمّديّ قد آذن بالرّحيل ، فأحطن به ، وتعلّقن بأطرافه ، وقلن : ارحم غربتنا ، لا طاقة لنا على فراقك . فلم يعبأ بهنّ ، لأنّه يرى حجّة الوقت مكثورا قد اجتمع أعداؤه على إراقة دمه الطّاهر ، فاستأذن أباه ، وبرز على فرس للحسين يسمّى : « لاحقا » . ولم يتمالك الحسين عليه السّلام دون أن أرخى عينيه بالدّموع ، وصاح بعمر بن سعد : مالك ، قطع اللّه رحمك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم ، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك . ثمّ رفع شيبته المقدّسة نحو السّماء ، وقال : اللّهمّ اشهد على هؤلاء ، فقد برز إليهم أشبه النّاس برسولك محمّد خلقا وخلقا ومنطقا ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك ، نظرنا إليه ، اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقا ، ومزّقهم تمزيقا ، واجعلهم طرايق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فإنّهم دعونا لينصرونا ، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا . ثمّ تلا قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ولم يزل يحمل على الميمنة ، ويعيدها على الميسرة ، ويغوص في الأوساط ، فلم يقابله جحفل إلّا ردّه ، ولا برز إليه شجاع إلّا قتله . فقتل مائة وعشرين فارسا ، وقد اشتدّ به العطش ، فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما أجهده من العطش ، فبكى الحسين ، وقال : وا غوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك ، فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها . وأخذ لسانه ، فمصّه ، ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه . ورجع « عليّ » إلى الميدان مبتهجا بالبشارة الصّادرة من الإمام الحجّة عليه السّلام بملاقاة جدّه المصطفى صلّى اللّه عليه واله وسلم ، فزحف فيهم زحفة العلويّ السّابق وغبر في وجوه القوم ولم يشعروا أهو « الأكبر » يطرد الجماهير من أعدائه ، أم أنّ « الوصيّ » عليه السّلام يزأر في الميدان ، أم أنّ الصّواعق تترى في بريق سيفه . فأكثر القتلى في أهل الكوفة حتّى أكمل المائتين . فقال مرّة بن منقذ العبديّ : عليّ آثام العرب إن لم أثكل أباه به . فطعنه بالرّمح في ظهره ، وضربه بالسّيف على رأسه ، ففلق هامته ، واعتنق فرسه ، فاحتمله إلى معسكر الأعداء ،